أزمة الجامعة العمومية في تونس تزيدني شغفا بالبحث العلمي.

ليس من العلمي والمنهجي والمنطقي أن يتفرّج كلّنا على وضع أساتذة جامعيين يبيتون تحت سقف مدرج وزارة التعليم العالي ، وقفاف المؤونة، وبقايا علب وجبة المقرونة، وقوارير الماء المعدني المنتشرة بلا قاع هنا وهناك دون أن يحرّك ساكنا من سواكنه الحمراء/الباردة كقنينة شراب “الماجنفيك” التونسي(  cuvée Magnifique). في الواقع آلمني المشهد كثيرا لكني قررت أن لا أقف عنده . مشهد القفاف والمؤونة اليومية يشبه قفاف السجون التي تأتي بها الأمهات لأبنائهن داخل السجون. ليس من المنطقي أن أقف متفرّجة حيال هذا السقم الذي يضرّ بمعدل أملي باللحاق بالوظيفة العمومية متى شاء الوقت … كيف سأبدأ هذا النص؟ في أيّ صفّ يجب أن أقف؟ مع أي طرف يستوجب عليّ أن أكون وأنا التي أقف ضدّ نفسي أحيانا فأعلّق لسانها فوق حبل المشنقة وكأني أمارس مازوشية جنسية عليها (النفس)؟

سأجيب فورا على أسئلتي التالية لأني لا أجد من سيجيب عنها خلافي. كم أحمد الله أن لم يعد لديّ عقد وفوبيا التعبير. وأهم شيء أني أكتب ما أريد قوله دون عثرة ولا أرغب أن يصفّق لي الجميع وينهال علي البعض بعبارات التقدير وعلو الشأن مثل “يعطيك الصحة يا دكتورة”.

-هل أجيب؟

-طبعا أجيبي.

أنا في الواقع لا أعترف بكلمة “يجب” و”ما يجب أن يكون”، ولست مؤهّلة بعد لنيل لقب دكتورة حتى أنّي صرت أخاف من هذه الصفة الجميلة المليئة بالفراغ المفاهيمي.  إني لا أقف في صف أحد ولا أحد يقف في صفّي من يوم صرت أعي الحياة . قلت صرت “أعي الحياة” وليس “أفهم الحياة”. إذن ما يجب أن يكون بالنسبة لي أن أتظاهر بعد فهمما يدور في الجامعة العمومية والخاصة والبرلمان وحتى داخل بيتي .نعم لا أريد أن أفهم ما يجري داخله وحتى ما يدور في الجامعة من صراع بين جامعيي “نقابة إجابة” ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ليس عندي الوقت لأفهم وأتفهّم مطالب تأتينا على حين غفلة فلا تعرف من يساند من … أتمنى لجميع الأساتذة الحياة الكريمة والعيش الراقي والعلوّ لكني  أتمنى أيضا الارتقاء بالبحث العلمي ومساندة الباحث الذي يضيع ويفشل …حتى أنه يصير باحثا ولا يعرف بعد كيف يكتب مقالا فتجده يهرول هنا وهناك ويكتري شخصا ينوب عنه الكتابه فيرتقي في سلّم ورتبة عمله ويبقى بلا قلم ولا منهج ولا منطق…. نعم فحتى شهادات الدكتوراه يكترون لها أشخاصا يكتبونها بالنيابة عنهم ….يجب أن يفهم كلنا اليوم أنه حين يقف واحد منا في مأزق وجودي فلن يجد من يسانده غير لعاب فمه اللزج وأنواع أخرى من اللعاب تسيل من الجسم وثقبه المتنوعة. ما إن تسيل هاته المياه اللزجة حتى يفهم الواعي فينا أن كل شيء في الحياة بات لزج كلعاب الحلزون الذي ليس له جنس لليوم .نعم كل الحلزون بجنس واحد ليس هناك ذكر أو أنثى ولا ندري كيف يتكاثر .هذا الخبر أيضا لا يهمني…. أف أف إني أخرج عن الموضوع الذي أحاول الوقوف عنده دون جدوى…كيف سنقف؟ وأين سنقف؟ ومع من يجب أن نقف؟ وإلى متى سنظلّ واقفين؟ في زمن المطالب هذاوالغفران والرقية الشرعية فإني أرغب بالوقوف ليلة كاملة أمام دمية من دمى المتاحف وأظل الليل كاملا أصفع التاريخ القديم والحديث والوسيط والمعاصر صفعات مبرحة .

هل لاحظتم أننا كلنا يقف أمام معبد لا دين له؟ هل تلاحظون أن لم يعد هناك سلطة وزارية تساند الطالب والأستاذ والباحث؟ هل تلاحظون أن النقابات يصدع لسانها موسميا؟ هل ترون مثلي أنّ الاتحاد سلطة عنصريّة؟

إلى هذا التاريخ المعاصر الرديء كطلق الريح  الذي تطلقه كلبتي

اما بعد:

إني الباحثة في نظريات الفن أقف اليوم على مشارف محاضن المعرفة العلمية “أتنرجس ” غير مبالية بالوضع لكنّي أعرف في قرارة نفسي أن الجامعة العمومية سيأتيها يوم وتتحرّر من مافيا الدماغ المدمّر وثقافة المرعى ومطالب زيادة الفلوس في زمن بلغت فيه نسبة البطالة الزبى.

في الواقع وبغض النظر عن رأيي الغير قابل للمحبّة فنحن كلّنا نقف على شفا الجامعة ندمّر بعضنا البعض. إلأا أنا فإني لا أقف مع أحد وحتى نفسي فإني أجلدها غالبا من مؤخرتها بعصا الثريد التي ورثتها عن أمي ولم أستعملها يوما. كانت أمي تعدّ لي الثريد بعسل النحل في رمضان، وحين زاد وزني في هذا الشهرأتذكر أني وقفت أمامها وطلبت منها غاضبة بشدة أن تتعلّم كيف تهتمّ بجمال جسد ابنتها الوحيدة وأن لا تقدم لها عجين السميد المطحون .

يجب أن نتعلّم كيف نأكل في الجامعة وفي البيت وفي المطاعم حتى لا نغرق في السمنة. يجب أن نعرف كيف نوفر لأنفسنا راحة البال لنتطور في مجال البحث العلمي ونطوّر البحوث. يجب أن نعي أن ليس كل ما نطلبه يجب أن يتوفر . ويجب أن نسيطر على أنفسنا وقت الأزمات حتى نسدّد الخطى ولا يتعثر الآخر أقصد الباحث الذي ينتظر دوره في الوظيفة لأجل أن ينال جامعي 200د زيادة فينتعش هو ويموت الباحث غيضا وكيدا. يجب أن نفهم أن التعديد النقابية لا تلعب لصالح المؤسسة الجامعية.

هل يصعب علينا أن نفهم هذه النقاط فعلا؟ متى تنتهي مطالبكم وتهتمون قليلا بالبحث العلمي الذي يكاد يتنفس؟ أحب,ا البحث العلمي وأصلحوا ثغراته وأقيموا صلوات الزكاة لأجله وحسّنوا في المردودية ثم طالبوا واعتصموا وأضربوا عن العمل وأدهنوا السنة الجامعية بالأبيض أو بأي لون تشتهون. منذ متى صرنا نهدّد بالسنوات البيضاء؟ ومنذ متى صار للزيادة في الأجور قيمة  في دول العالم النامي؟

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*