الممارسة التشكيلية المعاصرة بين الشرق والغرب : طفل لاجئ/إنسان هجين

يذكرني وجه العلاقة التشكيلية المعاصرة التي تربط بين الشرق والغرب بانتفاضة الشعب التونسي وما أفرزته من حراك متواصل و تناقضات فاقا كل التوقعات. إذ بعد تمخض وولادة أفرزت صناديق الانتفاضة مواد لزجة تشبه منيّ عصافير حقول أرز الجنوب الفحلة. عصافير محمية أرز الباروك الجنوبية لا تدرك قيمة هواء الجبال إلا زمن هجرتها من الجنوب للشمال ومن الشمال للشرق وبعد الشرق تهيئ جناحيها لانطلاقة الغرب . وكنت دائما أتساءل لماذا لم تزهر الأرزة المغروسة فوق علم لبنان لحد اليوم ؟ هل السبب هجرة طيورها الموسميّة تحت تأثير الغريزة أم عدم توافق ريح الشرق والغرب وهواء الشمال والجنوب بتواطؤ الطبيعة مع مكوناتها ؟

لماذا يختلط معي الحابل بالنابل منذ بدايات النص حتى أقع في شراك تداخل المحتوى بالشكل بالمضمون ؟ تونس بالعصافير، الشرق بالغرب، وجبال لبنان بثورتنا بالانتفاضة ؟ ربما لأني أبحث عن وجوه للمقارنة لا تشبه المقارنات التقليدية العادية التي عهدناها داخل النصوص .أو علّني أستقطب نظر القارئ لإعادة النظر في تصوّره للفنون التشكيلية -بمختلف هوياتها العربية والغربية – على الأقل منذ ظهور الفن الجديد (1890) لليوم،وعجز المادة التشكيلية على شرب غضب الثورات والانتفاضات والحروب الباردة والحارة التي اندلعت ببلداننا من الشمال للجنوب للأقصى إلى ما وراء المتوسط . أين هو الفنان التشكيلي العالمي من كلّ هذا ؟ إنّه بصدد المشاركة في احتفالات افتتاح المهرجانات بعرض لوح لامرأة عارية أو منحوتة لثلاثة أجساد مكبّلة بالسلاسل وقد قضي على الرق منذ جذور التاريخ .

من عاداتي زمن الكتابة عدم الاعتدال في جلستي أمام المكتب بسبب تراشق الأفكار فوق سطح داري .هذا التراشق يقحمني متطوّعة في ورطة من الأفكار المتعدّدة الجنسيات بلا هوية، وأجدني أتعمّد خوض المعارك المتشابكة داخل نصوصي تماما كما الأنا ببيتي، دائمة الحركة أطوي ردهة الشقة الضيقة بهواجسي القاتلة وبنات أفكاري المقبلات على الزواج .وكم أرغب في عزوفهن على دخول هذا القفص الخانق/المملّ كلوحة تشكيلية لفنان غربي علّقها أمام مخيم لاجئين عرب . هذا العراك الفكري عندي تفضي نهاياته دائما إلى حالة من التفكّك/البنّاء المتعب  . لكن أين نحن من موضوعنا الأساس : الممارسة التشكيلية المعاصرة بين الشرق والغرب ؟ . تبدو المقارنة بخصوص الفعل التشكيلي بيننا وبينهم كقضية محرجة تصوّر زواج امرأة غربية عجوز من شاب عربي .هو يرغب في تجديد أوراق جنسيته،وهي تبحث عن شمس ساطعة خيوطها تتحمّص تحت لهيبها لتجدّد قشرتها المتجعّدة بفعل الشيخوخة والوشم ويأس النساء وتلبس رداء ها الجديد كالأفعى  .هذه العجوز لا يمكنها أبدا أن تحبل من هذا الشاب اليافع، ولا يمكنه في كل الأحوال أن يصير أبا لكنهما يشكلان زوجا رغم الفوارق والمفارقات التي يراها البعض شذوذا وأراها الأنا لوحة تشكيلية ”مونوكروم ” متعدّدة التقنيات والخامات ولا تحتمل قراءات كثيرة .هذان الزوجان لم يتساءل أحد منهما عن إمكانية استثمار هذه الزيجة الغير بريئة و المشروطة من قبل أن تبدأ .

فنون تشكيلية شرق/غربية كطفل لاجئ يعجز عن تغيير الوضع :

إذا رجعنا للوحة الفنان الغربي المعلّقة أمام مخيم لاجئين عرب، كم من معنى  يمكن أن نقرأ وهل من مسار تواصلي يخدم تطلّعات نص المقارنة هناك حيث اللاجئ/العربي يستغيث بينما تتضاحك ألوان اللوحة/الغربية كبغي تقف على حافة الوادي تعلن توبتها وهي لا تزل عارية والعالم من حولها بجميع مؤسساته عاريا غير قادر على مناصرة وإيواء لاجئ واحد من بين آلاف ومئات، أو على الأقل إرجاعه إلى بيته الذي غادره قسرا  .لماذا أدور ويدور القلم حولي ولم أتمكن من المقارنة ؟ خلتني أخوض المقارنة منذ بواكير النص، دون أن يعلم القلم. وحده القارئ الذكي سيتفطن لعجز المقارنة عن إعلان نفسها . كنت دائما أقول أن اللغة هي أكبر شيطنة يمكن للمبدع أن يطوّعها لخدمة أغراضه التعبيرية .ربما يبدو حديثي مثاليا وهو ليس كذلك فعندما أقول أني شخصيا جرّبت الفنون التشكيلية بأصنافها والفوتوغرافيا بأضوائها ولم أنسجم إلا مع فنون النسيج  المعاصر ربما لأنّي أنزّل القماش والخيط كخامات ضمن مواد الأزل الأكثر ملازمة للبشرية من طقوس زمن الولادة وصيرورة الدنيا إلى زمن كفن الموت وبدأ دنيا أخرى لا ننفك نسقط عليها أسماء ومصطلحات ك”الميتافيزيقا” و”الماورائيات” و”ما بعد الموت” و”الحياة الثانية” و”الآخرة” ويقولون أنها خير من الدار الأولى .

فكرة تلك اللوحة الغربية المعلّقة أمام خيمة لاجئين عرب لا تزل تدغدغ طرف لساني فتقمع بداخلي حرفة المراوغة اللغوية التي ورثتها عن شخص مجهول لم أنتسب إليه يوما .مثل هذه المعادلات (اللوحة الغربية المعلّقة أمام خيمة لاجئين عرب) يمكن اعتبارها جملة تصويرية مهيمنة تقصي كل ما سيرد بعدها من أفكار ومقارنات ومقاربات .هكذا شاء منهج تقصي الخبر ذات نص دون برمجة ولا تخطيط مسبق للنص إذ تنزل الأفكار كوحي غريب أستقيه من علبة بريد فتحها القدر بين الملاجئ  .لقد تعمّدت تصوير لوحة معلقة بين عالمين فينتهي النص المقارن بضربة واحدة قاضية تذكرنا بلكمة من لكمات الأيقونة ”محمد علي كلاي” تسقط من هولها قصور حكام الغرب وبلاطات ملوك العرب وورشات فناني ”التمويه العالمي” وتصمد في المقابل خيام اللاجئين ولا يفرح ذلك الطفل اللاجئ الذي يقف ضائعا أمام لوحة تجريدية لفنان غربي لا تسد – جوع رمقه – و- رمق جوعه – . في الحقيقة كنت منذ إعلان الخبر أعلن خيبة أمل الفنون التشكيلية العربية والغربية في استثمار أسواقها الميّتة لخدمة قضايا الإنسان وتوسعت أكثر في مشروع النقد الضمني أفضح خيبة مسعى لوحة الفنان الغربي في فتح المعابر للاجئين العرب،ثم رحت أتساءل متثاقلة كعادتي : لماذا صفة ”لاجئ” تلازم العربي دون الغربي ؟ وكيف سمحت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لهذا الفنان الغربي بتعليق لوحته أمام مخيم مشردين عرب يسكنون على الحدود حيث قسوة الجغرافيا والتاريخ أضف إليهما عقم فنون العصر الراهن بجنسه العربي والغربي . كلاهما فن لم يفلح في تغيير واقع المدن الهائجة زمن الثورات والانتفاضات والحروب المنظمة .نعم صارت الحروب بمناطقنا كما الموت عبارة عن فرصة تاريخية تأتي مرات عديدة في اليوم، ومن لم يحالفه الحظ مات لاجئا وحملوه فوق لوحة فنية،أو غريقا في بحر المتوسط هاربا من موطنه .ومن نجا من الغرق فإنه سيموت حتما بعبوة أو حزام أو سيارة شريطة أن تكون ناسفة/مفخخة بمواد معقّمة تعوّدنا أكلها خارج إطار وجباتنا اليومية فكانت لنا بمثابة مكمّل غذائي يحتوي على الألياف .  ويكذب كل من يقول أن الفن هو من يصنع المدينة تمام كما اكتشفنا اليوم رياء وكذب مصطلحات كثيفة كمفهوم المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني والفنان التشكيلي المعاصر .

وإني أعلن من موقعي كباحثة دكتورا اختصاص نظريات الفن كامل المدارس الفنية من الرومنطقية للباوهاوس والوحشية مرورا بالديجيتال آرت والبوب آرت،أعلنها مستشفيات ومستوصفات مفتوحة أبوابها كامل الوقت تهتم بصحة أطفال  الملاجئ ومجاريح القصف الجوي العشوائي من اليمن لحلب، وحتى أطفال فقر الدم، الجياع، الحفاة، من”فرنانة” و”تالة” و”القصرين”  ببلدي تونس . افتحوا إذن أبواب المدارس الفنية التي لم ننل منها سوى لوحات في مجملها خالية من كل حكمة تنهض بالإنسان أو تنقذ طفل لاجئ/إنسان هجين . حقل الفنون التشكيلية المعاصرة بين الشرق والغرب هو كجسد من أجساد ”بايكن” التي تبدو للمتلقي مشوهة ك”متلازمة داون”، أو ك”متلازمة الصدمة السامة” العلّة التي تلازم عضلات المرأة أيام حيضها فيقلب جسدها رأسا على عقب . الفنان/العالمي  والصحفي والّلاجئ وحارس المخيّمات وكاتبة النص كلّنا جسد من أجساد بايكن المشوهة المريضة .وإذ أحدثت ضحكة سيدة فلورانسا الموناليزا ضجتها في عالم النقد الفني فأضحت خطوط ابتسامها قاعدة من قواعد المنظور في عالم الرسم’ فما عسانا نقول عن بكاء الأمّهات الثكلى اليوم؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*